السيد محمد حسين فضل الله
360
من وحي القرآن
فيها الإنسان نفسه بحيث يحكم عليها ولا تحكم عليه ويقودها ولا تقوده ، فلا ينجذب إلى الاندفاع في حاجاتها انجذاب من لا يملك القدرة على التماسك أمامها . ولعل التفسير الأقرب لها أنه الذي يحصر نفسه عن الشهوات ، فلا يدعها تتحرك على هواها ، وربما كانت كلمة الحصر موحية بذلك ، لأنها تحمل معنى المقاومة الإرادية التي تحصر الحركة الجسدية في دائرة معينة ولا تدعها تتفلت بعيدا عن الخط العملي ، فهي مسألة تتصل بحركة الإرادة في الذات ولا ترتبط بحركة الفعل السلبي في معناه . هذا من جهة . ومن جهة أخرى ، فقد يكون الامتناع عن النساء في ذلك الوقت قيمة أخلاقية لمن يحمل المسؤولية الرسالية ، باعتبار أن ذلك يجعله متفرغا للَّه ولأداء الرسالة ، فلا يشغله عنها شاغل الزوجة والأولاد ، فكأنه يجعل حياته كلها للَّه بعيدا عن ضغط حاجاته الجسدية والعائلية ، وليست القضية خطا عاما لكل الناس ، وهذا ما جعل عيسى حصورا ، لأن مهمته غير عادية ، كما جعل يحيى حصورا للمعنى نفسه ، فربما كانت هناك خصوصية للزمن وللشخص أو للدور ، لأن النبوة لا تفرض ذلك ، فقد رأينا أنبياء اللَّه يأخذون بالزواج في حياتهم وقد يعددون الزوجة ، كما في إبراهيم عليه السّلام ، واللَّه العالم . ثم إن الآيات توحي بأن الأنبياء يعيشون الحاجات الذاتية في مسألة الأولاد ، كما يعيشها الآخرون ، ويتطلعون إلى الولد الذكر كما يتطلع الآخرون ، لا من جهة أن الذكورة تمثل القيمة الإنسانية الإيجابية بينما الأنوثة تمثل القيمة الإنسانية السلبية ، بل لأن الذكر يتحمل المسؤوليات المتصلة بالدور الفاعل في عملية امتداد النسب وحركة الرسالة بما لا تتحمله الأنثى ، بلحاظ طبيعة الواقع الاجتماعي أو التكوين النوعي للإنسان ، وهذا ما يؤكد بشريتهم في الإحساس بما لا يبتعد عن القيمة .